عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
169
اللباب في علوم الكتاب
في تخفيف « ميّت » وتثقيله في آل عمران « 1 » وجاء هنا وفي الرّوم [ 46 ] يُرْسِلُ بلفظ المستقبل مناسبة لما قبله ، فإنّ قبله : « ادعوه خوفا » وهو مستقبل ، وفي الروم [ 45 ] : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وهو مستقبل . وأمّا في الفرقان [ 48 ] وفاطر [ 9 ] فجاء بلفظ الماضي : « أرسل » لمناسبة ما قبله وما بعده في المضي ؛ لأنّ قبله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] ، وبعده : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [ الفرقان : 53 ] ، فناسب ذلك الماضي ، ذكره الكرمانيّ . والبلد يطلق على كلّ جزء من الأرض ، عامرا كان ، أو خرابا ، وأنشدوا على ذلك قول الأعشى : [ البسيط ] 2494 - وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة * للجنّ باللّيل في حافاتها زجل « 2 » قوله : « فأنزلنا به » الضّمير في « به » يعود على أقرب مذكور ، وهو « بلد ميّت » ، وعلى هذا فلا بدّ من أن تكون الباء ظرفيّة ، بمعنى أنزلنا في ذلك البلد الميّت الماء ، وجعل أبو حيّان هذا هو الظّاهر . وقيل : الضّمير يعود على « السّحاب » ، ثم في « الباء » وجهان : أحدهما : هي بمعنى « من » أي : فأنزلنا من السّحاب الماء . والثاني : أنّها سببيّة أي : فأنزلنا الماء بسبب السّحاب . وقيل : يعود على السّوق المفهوم من الفعل و « الباء » سببية أيضا [ أي ] : فأنزلنا بسبب سوق السّحاب ، وهو ضعيف لعود الضّمير على غير مذكور مع إمكان عوده على مذكور . قوله : « فَأَخْرَجْنا بِهِ » الخلاف في هذه الآية كالّذي في قبلها ، ونزيد عليه وجها أحسن منها ، وهو العود على الماء ، ولا ينبغي أن يعدل عنه . وقوله : « من كلّ الثّمرات » « من » تبعيضية ، أو ابتدائية ، وقد تقدم نظيره . فصل [ في حركة الرياح ] اعلم أنّ السّحاب للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء ؛ لأنّه تعالى دبّر بحكمته أن يحرّك الرّياح تحريكا شديدا ، فلأجل الحركات الشّديدة التي في تلك الرياح تحصل فوائد « 3 » . أحدها : أنّ أجزاء السّحاب ينضمّ بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السّحاب الكثير الماطر .
--> ( 1 ) ينظر تفسير الآية ( 27 ) من سورة آل عمران . ( 2 ) البيت للأعشى ، ينظر ديوانه 109 ، شرح القصائد العشر 498 ، اللسان ( بلد ) ، الدر المصون 3 / 286 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 115 .